أفغانستان.. تعقل أمريكي أم حرية منتزعة! / اكبرو محمد صديق

امتنعت لحد الآن عن التعليق على ما جرى في أفغانستان، لا لأن هذا البلد بعيد عن منطقتنا ولا بسبب عدم أهميته على صعيد العلاقات الدولية، بل لأني كنت أتابع الأحداث المتسارعة فيه وأحاول أن أجد تفسيرا منطقيا مقبولا لما جرى ،

والآن لا أدعي أن ما توصلت إليه أحاط بكل شيء في معترك النزال بين حركة طالبان والإدارة الأمريكية،

ليس هذا المنشور القصير مناسبا لتحليل ما آلت إليه الأمور في أفغانستان تحليلا عميقا، لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وإلى أن أجد الفرصة لكتابة مقال متكامل قد يكون من عدة حلقات، هذه شذرات من تفكير متواضع حول الموضوع؛

بعضنا تملكه الحماس لطالبان، ولم يتردد في الهتاف لها بالنصر المؤزر على ” قوى الشر والطغيان” ووجد في دخول قوات الحركة مدن أفغانستان الواحدة تلو الأخرى ، بما فيها العاصمة كابول، دون مقاومة تذكر، فتحا مبينا وتركيعا مذلا للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في حلف الناتو،
وبعضنا كان حذرا حيال إصدار حكم متسرع بشأن السرعة التي جعلت الولايات المتحدة الأمريكية تغادر أفغانستان على عجل وبشكل بدا وكأنه مفاجئ ودون تنسيق مع حلفائها المحليين ولا شركائها الإستراتيجيين،

السؤال المطروح ما الحقيقة العميقة فيما جرى ؟ وأنبه هنا إلى أنني سوف أمتنع في تحليلي عن إصدار حكم بالنصر أو الهزيمة ، لأي من طالبان أو أمريكا، لأن حكما كهذا سيكون حكما قيميا و لن يخلو من عاطفة؛

في نظري أن اعتبار الولايات المتحدة الأمريكية، هُزمت في أفغانستان وانسحبت منها تجر أذيال الهزيمة، فيه مجازفة كبيرة وقصور حقيقي في الرؤية وفي تحليل الأحداث،
طبعا الولايات المتحدة خسرت آلافا من جنودها في أفغانستان وأنفقت على الحرب فيها ضد القاعدة وطالبان، ما يزيد على ترليوني دولار خلال العشرين سنة الماضية،

بكل تأكيد لم تنتصر الولايات المتحدة ولم تحقق كل أهدافها التي دخلت أفغانستان من أجلها،

إنما أمام تعذر نصر في بلد ظل على مدى التاريخ يغري الغزاة ولم يخرج منه غاز منتصرا أبدا لإباء أهله وقوة شكيمتهم ووعورة تضاريس أرضهم،
قررت الولايات المتحدة ، (المؤسسات ومراكز البحث الإستراتيجي )وليس فقط الرئيس جوزيف بايدن وحده، الخروج من مأزق أفغانستان، التي كانت إدارة بوش الإبن اليمينية ومستشاروه الإنجيليون المتطرفون، وضعوها فيه ،

قرار خروج الولايات المتحدة الأمريكية من أفغانستان ولو بدا تنفيذه في مرحلته الأخيرة متسارعا ومفاجئا لبعض شركائها، أخذ وقتا طويلا زاد على السنتين وطبخ على نار هادئة ووزنت إيجابياته وسلبياته بميزان دقيق ؛

لقد اتضح للولايات المتحدة ، سواء في عهد اترامب أو في عهد بايدن ( رغم ما بينهما من تباين في النهج وفي الرؤية )، أن مصلحتها الإقتصادية والإستراتيجية تحتم عليها الخروج من مستنقع أفغانستان وأن عدوًا متواجدًا في مدن مكشوفة، يمكن مراقبة نشاطاته بالأقمار الصناعية واصطياده – إن دعت الضرورة- بالطائرات المسيرة ذاتيا، أقل ضررا من عدو شبح يتمنع في كهوف حصينة يتعذر النيل منه، لهذا قررت الإنسحاب وقررت وضع حركة طالبان التي لم يعد هامش المناورة لديها كبيرا، على المحك.

هذا، وأتفق مع الذين رأوا في انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان دون تأمين لحلفائها المحليين ولامراعاة لمصالهم خطأً كبيرا غير أخلاقي، يشكل نذير شؤم لكل حلفائها خاصة في منطقتنا العربية، وإن كنّا لا ننسى أن فلسفة العم سام تقوم على البركرجماتية ، لا على المثالية والعواطف..

زر الذهاب إلى الأعلى