حكاية (بلد المليون شاعر) التي حجبت أسئلة الحداثة

نشرت صحيفة القدس العربي مقالا للكاتب المغربي عبد اللطيف الوراري، بعنوان: شعرنا المعاصر إلى أين؟ (الحلقة الأخيرة): حكاية (بلد المليون شاعر) التي حجبت أسئلة الحداثة.

وفيما يلي نص المقال نقلا عن القدس العربي:

للشعر في بلاد شنقيط سردياتٌ متراصة وغريبة في الآن، فرغم أنه يشكل أحد عناصر الهوية الثقافية في كل العصور؛ بما هو وليد المحظرة (المدرسة البدوية التي تخرّج منها العلماء والأدباء الشناقطة) وسليل الشعر العربي الذي طبعه بخصوصيته الافريقية والصنهاجية، وبروحه الإنشادية الخاصة، وواقع تداوله الاحتفائي بين جمهور الناس، إلا ندرة المصادر تقف حائلاً حقيقياً لكتابة تاريخ الشعر الموريتاني. كما أن الحركة الشعرية في موريتانيا – منذ نحو نصف قرن على الأقل – لا نعرف عنها شيئاً، بمن فيهم نحن المغاربة الأقرب إلى هذه البلاد. لا أدري إن كانت لـ»لعنة الجغرافيا» يدٌ في المسألة، أم «مكر التاريخ»؟


لقد ظلت هذه «الحركة» محاطة بأسرارها ومكابداتها، ومثلت بحق- الحلقة المفقودة في تاريخ الشعر العربي الحديث؛ فهي عاشت في شبه قطيعة مع ما كان يجري من تحولات حاسمة في جسد القصيدة العربية، ليس في المركز وحسب، بل في الأطراف من دول المغرب الكبير بلا استثناء.


لعنة «بلد المليون شاعر»
قد يكون لعبارة «بلد المليون شاعر» التي أطلقتها مجلة «العربي» الكويتية سنة 1967، وباتت لقب الألقاب، وقع الخرافة التي ارتفعت على الواقع، وحجبت أي محتمل كان الشعر الموريتاني يتهيأ له من تلقاء نفسه. لقد تحولت العبارة المسكوكة من طابع احتفائي مبالغ به، وغنيمة عض عليها «محافظو البيت المركزي» بالنواجذ، إلى حجاب حقيقي وإلى كليشيه تعميمي وظالم لا يسنده الواقع الأدبي والثقافي، بأي حال من الأحوال؛ فإلى اليوم، ما زال الرقم بعيداً كل البعد كماً وكيفاً، سواء بالنظر إلى عدد الشعراء (منتسبو اتحاد الأدباء في حدود ألف شاعر) أو إلى حجم الإنتاج الشعري المتحقق.

بين اتباع وابتداع

تَواصل شعراء موريتانيا، منذ منتصف الستينيات، مع منجز حركة الشعر العربي الحديث بجميع مدارسه المعروفة (إحيائية، رومانسية، واقعية) وتفاعلوا مع قصيدة التفعيلة على استحياء أو توجس؛ إذ لم تظهر البدايات المحتشمة للقصيدة الحرة، كما تؤكد مباركة بنت البراء، إلا في أوائل السبعينيات، ودخلت البيت مثل الغريبة غير المرغوب فيها. أما قصيدة النثر فلم تكن الذائقة الجمالية تتقبلها على الإطلاق.

فالحركة الشعرية التي نشطت في موريتانيا خلال هذه الفترة، كانت اتباعية أو نيوكلاسيكية تولي الوزني المنتظم الأولوية دون غيره، ومن روادها تمثيلاً:محمد سالم ولد عدود، ومحمد ولد إشدو، وكابر هاشم، ناجي محمد الإمام، ومحمد الحافظ ولد أحمدو، وفاضل أمين، ومحمدي ولد القاضي، وعبد الله السلم ولد المعلي، ومباركة بنت البراء، وخديجة عبدالحي، إلخ. ويمكن أن نضم إلى هؤلاء سيدي ولد أمجاد، ومحمد ولد الطالب، والشيخ أبو شجة، وإدي ولد آدبه، وغيرهم من الشعراء الذين برزوا في مسابقة (أمير الشعراء) الإماراتية. فهم كتبوا القصيدة العمودية إلى جانب قصيدة التفعيلة، وأوجدوا داخل القالب الفني الموروث تعبيرات وصوراً حديثة.


لنقل إن هناك هيمنة لمثل هذا التوجه الشعري، تبررها عوامل جمالية وسوسيوثقافية، كما تأخذ تجسيدها من إشعاع بعض الرموز الشعرية الوطنية، كما هو الأمر بالنسبة إلى الشاعر أحمد ولد عبد القادر صاحب «أصداء الرمال» 1981 و»كوابيس» 2000، الذي يحظى باحترام النخبة الموريتانية، وينعتونه بأب الحداثة الشعرية في موريتانيا، ورجل المواقف الفكرية واليسارية، التي اصطبغت بالهم الوطني والعربي؛ حيث جسّدت مدونته الشعرية والسردية سِفْر مواقف، وكانت القضية الفلسطينية أبرز مشاغله.


لكن في المقابل، وإن بدرجة أقل، لكنها تتوسع باستمرار، بدأ يظهر جيل من الشعراء الجدد الذين ضاقوا ذرعاً بالسائد الشعري وسعوا إلى تجديد أوسع مدىً خارج التابوهات، ولاسيما من كُتاب قصيدة النثر وشعراء الهامش. ورغم محاولات إقصائهم من المشهد الشعري، إلا أنهم يشكلون اليوم أفق الحداثة الجديدة، عبر نصوصهم التي تحتفي بالمعيش اليومي في مشهديات ملحمية تعكسها حساسية جديدة بما تقوله من لغة مختلفة، وانزياحات شديدة التكثيف ورؤى أكثر دلالة على ذواتهم، وعلى الواقع الذي يحيونه. واستطاعوا من خلال منصات التواصل الاجتماعي أن يتواصلوا مع قرائهم ويحظوا بحضور كان مفتقدا. ومن شعراء هذا الجيل الذي يواصل مساهمات من سبقهم من الشعراء؛ مثل محمد ولد عبدي وببهاء ولد بديوه، يمكن أن نذكر: بدي ولد أبنو، وإبراهيم ولد عبد الله، والمختار السالم، ومحمد ولد أعليه، وإبراهيم ولد عبد الله، وإبراهيم مالك الحر وغيرهم.


ومع ذلك، يبقى تقييم تجربة الشعر الموريتاني الحديث والمعاصر محفوفًا بعوائق جمة؛ نظرا لغياب حركة نقدية وتأخر الدراسات البحثية والأكاديمية عن استكناه الأسئلة الأصعب، إلا ما جاء من الخارج في شكل أطاريح جامعية، وسيطرة الرؤية التقليدية على الذائقة الفنية، وندرة وسائل الطباعة والنشر، ما أثر سلباً في مجريات الحركة الشعرية، ومنع من الاطلاع على تجاربها الواعدة والمشرقة، بل إن من أفرادها من يلجأ إلى دار نشر عربية تتيح له مقروئية أنسب.

لم تكن صورة الأدب الموريتاني الراهنة منقطعة تمام الانقطاع عن صورته التي قدمها كتاب ابن الأمين؛ ذلك أن سجلات شعرية عديدة، يمتح أصحابها من نماذج فنية متباينة تتجاذبه، لدرجة يجد الباحث معها صعوبة في تصنيفه.

عبد الله محمد سالم السيد: ملاحظات سريعة في مدونات عديدة

قد لا يكون المقام متسعا لتتبع الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية التي أسهمت في توجيه الشعر الموريتاني المعاصر وجهاته النصية الراهنة، ولا قابلا كذلك للخوض في تأصيل الظواهر، وتحديد المصطلحات، والإلماع إلى الإجراءات. لكن مع ذلك نرى من الضروري الإشارة إلى أن المجال المعروف الآن بموريتانيا، الذي تأسست فيه دولة حديثة، منذ 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1960 تاريخ استقلاله عن فرنسا، عرف تسميات أخرى، أشهرها «شنقيط» منذ القرن الثاني عشر الهجري (18م) وتأسست فيه ثقافة عالمة، على الرغم من الطابع البدوي لسكانه، وعرف نهضة لغوية وأدبية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، كانت محل تقدير وإعجاب من المستشرقين: لوي ماسنيون (ت 1962) وجاك بيرك (ت 1995) ومن كتاب مغاربة كثر، مثل عبد الله كنون (ت 1989) ومحمد المختار السوسي (ت 1963) وعباس الجراري، أطال الله بقاءه، وغيرهم ممن كتب عن أدب الفترة الزمنية المذكورة. وقد أدى ظهور بعض النتاج الأدبي لذلك المجال في بداية القرن العشرين، مع صدور كتاب الشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي (ت 1913) الموسوم بـ»الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» إلى مطالبة بعض الذين اطلعوا عليه، مثل محمد طه الحاجري (ت 1994) بإعادة كتابة تاريخ الأدب العربي؛ لأن الصورة التي يقدمها الكتاب المذكور تعترض على نعت أدب القرنين (12 و13هـ/18و19م) بأدب انحطاط، كما درج عليه مؤرخو الأدب العربي، الذين غابت عنهم صورة الأدب في شنقيط أو موريتانيا خلال تلك الفترة.


ولم تكن صورة الأدب الموريتاني الراهنة منقطعة تمام الانقطاع عن صورته التي قدمها كتاب ابن الأمين؛ ذلك أن سجلات شعرية عديدة، يمتح أصحابها من نماذج فنية متباينة تتجاذبه، لدرجة يجد الباحث معها صعوبة في تصنيفه، ومع ذلك يمكن أن نرصد النماذج التالية فيه:


نموذج القصيدة التراثية: وهو نموذج كونته ملكات شعرية جاءت من حفظ المتون الشعرية التي يدرسها شيوخ المؤسسات التعليمية الأصلية (المحاضر) لطلابهم، ليتقنوا اللغة العربية، بوصفها آلة النصوص الشرعية الضرورية. ومن هذه المتون المعلقات، وأشعار الشعراء الستة الجاهليين، وديوان غيلان ذي الرمة، وديوان المتنبي، والشواهد الشعرية المبثوثة في المتون النحوية والصرفية والبلاغية. ويعود نعتنا لهذا النموذج بالتراثي بدل الأوصاف التي أطلقها أساتذتنا، كالاتباعية، أو الكلاسيكية، أو التقليدية، أو الإحيائية… إلى أن أصحابه يكتبون الشعر غالبا في المناسبات التقليدية كالمدح، والرثاء، والتهانئ، والغزل، والمديح النبوي، وليس لهم، بالضرورة، هموم البارودي وأترابه، ولا خلفياتهم الفكرية والاجتماعية والسياسية. وغالبا ما يكون اهتمام أصحاب هذا النموذج اهتماما ثقافيا معرفيا؛ وبالتالي لا يهتمون بطباعة أشعارهم، ولا حتى بروايتها، وإنما يتناقلها الخلان والطلاب شفهيا، أو يدونونها في كراريسهم من أجل حفظها.


ومن الطبيعي أن لا تفرض هذه الأغراض على الشاعر روح العصر، ومشاكل الواقع المعيش؛ وبالتالي لم يسكنه الهم العام الذي سكن رواد النهضة عموما، والشعر منها خصوصا، أعني هم التأكيد على أن الأشكال القديمة قادرة على استيعاب المضامين الجديدة.


نموذج القصيدة التقليدية: وأصحاب هذا النموذج على اطلاع على الشعر العربي الحديث، وإن كان ولاؤهم لشعراء الإحياء، وهم متمسكون بقدسية موسيقى الشعر العربي القديم، والضروري من تعاليم عمود الشعر العربي، مع مناغاة قضايا الواقع المعيش، واستنهاض المجتمع نحو واقع أفضل يتحقق فيه لآخر الأمة ما تحقق لأولها من العزة والنهوض، دون ترك الأغراض القديمة التي تشبث بها الاتجاه السابق وحدها.
نموذج القصيدة الرومانسية: مع ستينيات القرن الماضي بدأ الشعراء الموريتانيون ينفتحون أكثر على مدونات الشعر العربي؛ فقرأوا للشابي، ومطران، وإلياس أبي شبكة، وإيليا أبي ماضي وغيرهم، وظهرت في أشعارهم مواقف ثورية؛ تغنت بالوحدة العربية، وقضية فلسطين، وواكبت قضايا الظلم في بقاع العالم المختلفة، وحمل أصحابها على الرجعية والإمبريالية. لكنهم ظلوا متمسكين بموسيقى الشعر العربي على مستوى الأوزان، والقوافي غالبا، وإن جنح بعضهم أحيانا إلى تنويع القوافي، وحاول آخرون نادرا كتابة قصيدة التفعيلة.


نموذج القصيدة الحديثة: مع افتتاح الجامعة في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، بدأ الشعراء الموريتانيون يتنافسون في قراءة دواوين محمود درويش، ومحمد بنيس، وخليل حاوي وغيرهم، مع حذق الخلفيات النقدية عند نقاد الحداثة وما بعد الحداثة غربيين وعربا؛ لذلك كتبوا القصيدة الحديثة، ودافعوا عن كتابتها تنظيرا، وإن حافظ جلهم على وضوح الموسيقى في قصيدة التفعيلة، انسجاما مع ذائقته الفنية التي تكونت قبل اطلاعه على نصوص الحداثة، واقتناعه بتجريب الكتابة بناء على هديها.


نموذج القصيدة النثرية: ظل هذا النموذج حيي الظهور في الساحة الموريتانية، وهناك كتاب جربوه، لكن أغلبهم لم ينشر منه ديوانا، ولم يضمنه دواوينه، باستثناء حالتين أو ثلاث حالات. وقد تعزز هذا النموذج مؤخرا مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، والفضاء الذي أتاحته في حرية النشر والتداول.
ومع استعراضنا لهذه النماذج الفنية فإنه لا بد من التنبيه إلى أن الشاعر الواحد قد يبدأ تراثيا، ثم ينتقل تقليديا، فرومانسيا، فحداثيا؛ الأمر الذي يعني أن تصنيف الظواهر الفنية، أيا كان، يظل مقاربة لا تعكس كل أبعاد الظاهرة المصنفة.


وقصارى القول فإن الشعر الموريتاني المعاصر عكس اهتمام الشاعر العربي شكلا ومضمونا، وإن كان متميزا بشيء فهو تمكن أصحابه من ناصية اللغة العربية، ومن الذائقة الموسيقية لأوزان الشعر العربي. ولعل طغيان ظهور القصيدة العمودية فيه راجع إلى ضعف النشر، وعدم انسجام القصيدة الحديثة مع منابر الإلقاء الشفهي؛ الأمر الذي جعل بعض الباحثين يحسبون أن نماذج الحداثة غائبة فيه.

لم تظهر البدايات المحتشمة للقصيدة الحرة إلا في أوائل السبعينيات، لكنها مرت بهدوء دون أن تثير الانتباه، ولم يتميز شاعر طوال السبعينيات بانتحائه التفعيلة في مدونته، حتى إن دواوين بعض الشعراء الشباب في هذه الفترة تخلو منها، رغم توجههم الثوري ودراستهم الأكاديمية.

مباركة بنت البراء: «صدمة» الشعر الحديث

لم تظهر البدايات المحتشمة للقصيدة الحرة إلا في أوائل السبعينيات، لكنها مرت بهدوء دون أن تثير الانتباه، ولم يتميز شاعر طوال السبعينيات بانتحائه التفعيلة في مدونته، حتى إن دواوين بعض الشعراء الشباب في هذه الفترة تخلو منها، رغم توجههم الثوري ودراستهم الأكاديمية. وخير مثال لذلك ديوان الشاعر الشاب فاضل أمين، ويضم 18 نصاً شعرياً كتبت كلها ما بين 1972 – 1982 ولا أثر فيها لقصيدة التفعيلة، رغم ما لقصائده من مضمون ثوري وصور بديعة، كما نجد بعض الشعراء الرواد لهذا الاتجاه الجديد عدلوا عنه بعد حين وأصبحوا من دعاة الرجعة إلى النموذج القديم.


نفهم أن الأرضية الثقافية والفكرية التي قامت عليها القصيدة الحديثة في بلادنا كانت هشةً، في وسط اجتماعي مازال يحيط القديم بالكثير من القداسة. ومن وجهة نظرنا فإن هنالك أسباباً ثقافية واجتماعية وقفت وراء ضبابية الرؤية للشكل الجديد منها:


أولاً: عدم تجاوب القارئ المستهلك «أي المجتمع» مع هذه التجربة مما شكك بعض روادها فيها فعزفوا عنها.
ثانياً: إن النموذج الشعري القديم ظل مسيطراً ثاوياً في الذاكرة، وتقبل بديل له يتطلب بعض الوقت.


ثالثاً: إن ظهور الشكل الجديد لم يصحبه تنظير نقدي، كما وقع في البلاد العربية الأخرى لانعدام النشر وضعف وسائل الإعلام وعدم استيعاب آليات النقد الجديد؛ فالإذاعة باعتبارها أول وسيلة إعلامية في البلاد، لم تكن تأبه للشعراء إلا في المناسبات السياسية التي تحتاج أصواتهم فيها مثل: مناسبة عيد الاستقلال، أو زيارة بعض الرؤساء للبلد، أو الإشارة بإنجاز معين، عدا هذا كانت برامجها الأدبية الأسبوعية تقتصر على قراءات في الشعر الشعبي غالباً.


أما جريدة «الشعب» اليومية، التي بدأت تظهر بانتظام منذ 1975، فإنها لم تخصص ركناً ثابتاً للقضايا الأدبية والنقدية، وإنما كانت تنشر بعض القصائد أكثر الأحيان دون تعليق. وإذا كانت القصيدة الموريتانية الكلاسيكية استطاعت أن تجد لها خطابها النقدي من خلال بعض الكتابات ككتاب «عمدة الأديب» لادييج الكمليلي وكتاب «المربي على صلاة ربي» لمحمد اليدالي الديماني (وإن كان هذا الخطاب النقدي لا يختلف كبير اختلاف عما ألفناه في كتب النقد القديمة) فإن القصيدة الحديثة لم تستطع بعد أن تؤسس خطابها النقدي المحايث لها. وعلى الرغم من المثبطات الكثيرة في سبيل القصيدة الحرة، فإنها قد ظهرت واستمرت وقطعت أشواطاً في مسيرتها التطورية، وواكبت الأحداث وسجلت مواقفها تجاه القضايا المطروحة.

الشيخ ولد سيدي عبد الله: راهن واعد على المحك

يواجه أي باحث في الشعر الموريتاني الحديث مشكلة في تصنيف هذا الشعر وتقسيمه إلى مدارس واتجاهات على غرار ما يحدث مع الشعريات العربية المماثلة. فقد مارست القصيدة الكلاسيكية التقليدية سلطتها على التلقي والإبداع في موريتانيا ردحًا طويلًا من الزمن، فغطت بذلك غابة الإبداع الشعري، بحيث لم تترك أي مجال للأجناس الأدبية الأخرى، وكذا الأشكال الشعرية اللاحقة للظهور، فقد ظل الشعر العمودي مستحوذًاعلى الذائقة الأدبية الموريتانية، وربما لا يزال حاضرا بمستوى لا يستهان به من القوة والتأثير.


ويعود السبب في ذلك إلى البنية التكوينية للثقافة الموريتانية، التي ظلت إلى وقت قريب، ثقافة شفهية، في بعض مناحيها، «محظرية» في مناح أخرى، وقد اهتمت في تأسيسها على الثقافة التراثية، سواء منها الدينية أو الأدبية، فكانت «المحظرة» بشكلها المحافظ أكبر فاعل في تحديد العلاقة بين المبدع والمتلقي، وهذا ما نلحظه في قراءة سريعة لحياة الشعراء الموريتانيين الكبار ومشاربهم الثقافية، ومعاصريهم من متلقي الشعر ومتذوقيه.


حين أنشئت جامعة نواكشوط في ثمانينيات القرن العشرين، وعاد أبناء البلد من رحلتهم العلمية، التي قادتهم إلى جامعات مشرقية ومغربية وأوروبية، بدأ التفكير النقدي يتبلور حول كثير من القضايا الشعرية، وفي مقدمتها قضية الأصالة والمعاصرة. وفي مقابل هذه المواقف، قامت معركة الشعر الجديد بمحاولة خلق ذائقة غير تقليدية، قادرة على فهم حركة الزمن والإبداع، متدثرة بثقافة جديدة، تمكنها من التعامل مع الرموز الشعرية وما تحيل إليه من دلالات. وهي محاولة جسورة في ميدان يسيطر عليه المحافظون بشعرهم و بخلفيتهم التراثية، التي سيجت الإبداع بمتاريس من التقديس، تجعل تجاوزه مسألة في غاية الصعوبة. والحقيقة أن اعتماد وسيط أو رقيب تقليدي بين الشاعر والمتلقي، هوالسبب في إحداث الهوة بين الواقع والإبداع؛ ذلك أن الرقيب التقليدي المحافظ يسعى إلى فرض قوالب نصية، ومعجم لغوي خاص،بحيث يرى أي خروج عليه كفرا إبداعيا وعقوقا ظاهرا، وهذه الوصاية هي السبب في انفجار الثورة،من طرف بعض الشعراء الذين عرفوا بالولاء للقالب التقليدي نفسه. فهؤلاء الشعراء لا يرون المشكلة بين دعاة التجديد والمحافظين مشكلة شكلية، إنما هي لغوية، تعبيرية.

آراء المؤيدين للحداثة منهذا الجيل، تنبثق أساسا من الفهم الفني للنص الشعر يالحديث، في مسايرة للظرف الزمني للإنسان الموريتاني وعلاقته بالآخر، شكلا ومضمونا، إبداعا وتنظيرا، لهذا فليست الحداثة لهم انبتاتا مطلقا من التراث، إنما هيم حاولة لفتح حصون ذلك التراث، وفك متاريسه المنغلقة أمام الحداثة؛ليكون هناك تكامل بين الأصالة والمعاصرة.

والحق أنه رغم سيطرة الذائقة التقليدية على العملية الإبداعية الموريتانية، ورغم سلطتها القاسية التي تفرضها على الشاعر، فإن اتساعا صامتا لدائرة الشعر الحديث والمهتمين به، كان يحدث من دون علم المحافظين. فقد مكنت المناهج الأدبية الحديثة في الجامعة، وانفتاح جيل الشعراء الشباب على نتاج نظرائهم العرب، وتعرف المبتعثين من الطلاب الموريتانيين إلى الجامعات العربية على النظريات النقدية الجديدة، وعلى الشعر الجديد، من إماطة اللثام عن الشعر الجديد، ودفعه إلى المزاحمة العلنية للشعر التقليدي وحراسه.
لقد صاحب هذه الثورة، فهم جديد لكثير من القضايا الشعرية، التي أصبحت هي الأخرى بحاجة إلى نوع من التغيير والإدراك، حتى تؤسس الدعامة الكبرى لاستمرار الإبداع الشعري الجديد، ولهذا جاء فهم الأصالة والمعاصرة من طرف جيل الحداثة، فهمًا مغايرا للجيل المحافظ؛ بل إن وعيا ثوريا بالحداثة بدأ يكشف عن نفسه، في التعامل مع الشعر، ومع الثابت والمقدس في الثقافة الوطنية.


إن آراء المؤيدين للحداثة منهذا الجيل، تنبثق أساسا من الفهم الفني للنص الشعر يالحديث، في مسايرة للظرف الزمني للإنسان الموريتاني وعلاقته بالآخر، شكلا ومضمونا، إبداعا وتنظيرا، لهذا فليست الحداثة لهم انبتاتا مطلقا من التراث، إنما هيم حاولة لفتح حصون ذلك التراث، وفك متاريسه المنغلقة أمام الحداثة؛ليكون هناك تكامل بين الأصالة والمعاصرة، وهذا ما جعل بعض الحداثيين الموريتانيين يستخدم الشكل التقليدي للقصيدة؛ ليبدع من خلاله نصا حداثيا، موغلًا في التكثيف والتفجير الدلالي.


ونتيجة لهذا تأكد ارتباط النص الحداثي بأصله القديم، لكن هذا الارتباط لم يكن عائقًافي سبيل تغيير بعض الأشكال والمفاهيم التي تحققت على يد شعراء الحداثة، وهي تغييرات لا يستبعد أن تكون لها جذور في التراث. والحداثة من هذا المنظور مرحلة تطورية للشعر التقليدي،من حيث الإيقاع واللغة، وعلاقتها بشعر التقليد هي علاقة (محاورة)فهي تنطلق من القديم، لتتجاوزه، مع بقاء صلاتها به وثيقة.


وخلاصة القول إن الخطاب الشعري الحداثي في موريتانيا، رغم محاولة إنتاج نص معبر عن عصره وعن العقلية الجديدة، فإنهما زال مرتبطا بخيط رفيع مع التراث والأصالة. بيد أن ميزته المهمة هي أن أغلبية رواده والمدافعين عنه، مارسوا إلى جانب الكتابة الشعرية، عملية تنظير وتحليل ومسايرة للتطورات الحاصلة في حقول الإبداع الإنساني.


ويمكننا أن نتفهم ذلك البعد النقدي عند شعرائنا، فهم مطالبون بتفسير الثورة على قوالب وأشكال فنية عمرها مئات السنين، ثم عليهم بعد ذلك أن يقنعوا المتلقي بتلك التفسيرات، ولنا أن نتصور صعوبة المهمة في مجتمع كالمجتمع الموريتاني، الذي يمتح جهاز قراءته من منهاج (المحظرة) حيث يتربع الشعر العربي القديم على قمة الدرس الأدبي، وحيث منتهى الفتوة يكمن في تقمص الصورة الإبداعية للشاعر العربي القديم.

كاتب مغربي

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى