فحوى محترقة! /المختار محمد يحيى

كنت لتوي تخرجت من كلية الحقوق، في جامعة بنسلفانيا، وأردت البحث في ميدان حقوق الإنسان، واخترت افريقيا التي طالما زارنا منها مناضلون عظماء، تحدثوا لنا عن انتهاكات فظيعة من قبيل العبودية، والفصل العنصري، وغيره.
زرت نواكشوط وكان مستقبلي أحد الأساتذة في الثانوية، ذهبت برفقته لأحد المقاهي، وكنت أنا من يدفع الفاتورة لقاء طلباته الكثيرة، من القهوة إلى العصير إلى طبق السمك، ولم يكن نصيبي منها سوى فنجان قهوة تركية رديء أو قنينة ماء صغيرة مصاحبة للفنجان، كنت أدفع المال في نهاية الجلسة كأنني أمين الصندوق، أو صاحب الدعوة.


حاولت الابتعاد عن التركيز على حركة الكؤوس والفناجين والأطبقاء على طاولتنا، والتركيز على معرفة حقيقة وجود العبودية، وكان رفيقي يحدثني عن وقائع وتاريخ فظيع وأنه ما يزال متواصلا حتى اللحظة.


كان يحدثني الأستاذ بحزن وبخوف عن ما يترصده شخصيا من خطر، ومما يحس به من متابعة في كل مكان، مشيرا إلى أحد الجالسين في المقهى، قائلا تم تكليفه بمتابعتنا ومعرفة ما سنقوله أو ما سنقوم به.


فعلا تملكني الذعر من المتابعة التي تحدث عنها، وهل بإمكان أن ينتهي بي المطاف رهين عناصر أمنية إفريقية لا تراعي القانون ولا تراعي حقوق الإنسان.


بعد أسبوعي الثاني وقد جهزت ورقة بحثية أولية عن وضعية العبودية في موريتانيا وقد كلفتني كثيرا من اللقاءات التي لا تخلوا من تكلفة، رجعت إلى نفس المقهى الأول الذي زرته في أول لقاء، وكنت عن دخولي لمحت نفس الرجل الذي أشار علي الأستاذ بأنه يتابعنا، هذه المرة كنت منفردا، وكنت ألبس قميصا قطنيا خفيفا وسروالا قصيرا، في محاولة إظهار أنني مجرد سائح غربي.


كان الرجل يجلس في نفس مكانه السابق، كأنه مكانه المعهود، ويضع على عينيه نظارات شمسية هي نفسها التي رأيتها المرة الماضية وكانت قد سرت في جسمي قشعريرة كتمتها في ذلك اليوم، يضع إحدى يديه – وكانتا صغيرتين- على الطاولة إلى جانبها علبة سجائر، وفي يده الأخرى كتابا كان عنوانه عربيا لم أستطع معرفة موضوعه.


بعد قليل جاء النادل ليكسر تركيزي على الرجل الجالس، فسألته سؤالا هل تعرف ذلك الرجل؟ فرد علي بجواب صادم، كنت أظنه سيقول لي إنه رجل أمن أو شيء من ذلك القبيل، وبما أن النادل يظهر أنه أجنبي مثلي لربما كان أكثر امتعاضا من وجود هذا الرجل، أو لربما كان قد ضايقه في السابق، لكنه قال: نعم إنه مخرج سينمائي معروف.


بدأت أفكر في كل ما جمعت من معلومات، هل هي بالفعل حقيقة؟ أم أنها مجرد معطيات مغلوطة؟ خصوصا أني لم أحاول الحصول على معلومات من أطراف أخرى، خوفا من المتابعة أو المضايقة، يبدو أنني كنت ضحية ترهيب وتخويف لا محل لها.


سافرت إلى بلادي في رحلة عودة طويلة نمت فيها كثيرا، لكن لم تغادر صورة ذلك الرجل تفكري كلما صحوت.


عدت إلى البيت وكان الكلب “رون” في انتظاري لأنه ما يزال يذكر رائحتي رغم امتزاجها برائحة السمك الذي تقدمه البائعات ويفرشنه على الأرضية على شاطئ نواكشوط اللائي قيل لي إنهن ضحايا عبودية ما يزلن يؤدين لملاكهن من خلال دخلهن الزهيد.


زرت نواكشوط بعد سنتين من محاولة نسيان حقيقة أنني كنت ضحية للكذب والاستغلال، ولم أخرج تلك الأوراق التي كتبتها في لقاءاتي هناك، رغم اتصالات الأستاذ عبر الهاتف، سائلا عن رابط البحث على موقع مركز دراسات بنسلفانيا.

كانت زيارتي هذه المرة خاصة بلقاء ذلك المخرج وفاجأني أنه غير مكان جلوسه، إذ قرب من شباك المقهى، فهو يدخن بشراهة، كما أن الحرارة مرتفعة بفعل الصيف.


استطعت أن أتعرف على موريتانيا من خلاله، إنها صورة جميلة قادني إلى أماكن وأزمنة مختلفة من خلال سرده الجميل، الذي كلما وصلنا قمة الإثارة فيه، نظر إلي من فوق نظارته الشمسية، بعينين بارزتين، مغيرا الصورة النمطية عندي عن بلاده، كنت أزور معه سهول الفلان، مغنيا لي بعض أهازيجهم عند بداية رعي البقر، ومقلدا صوت نداء الإيمراكن للدولفين إيذانا بحلقة جديدة من تعاون الإنسان مع الحيوان، وراسما لي لوحة غروب الشمس التي تخلل أشعتها أرجل الإبل المتراصة في القوافل المتجهة إلى شنقيط، مستوقفا إياي وهو يرتشف من كأس الشاي قائلا هذا شاي يختلف عن ما يصنعه مزارعو شمامة أثناء قيلولتهم تحت الشجرة المقابلة للنهر.


لقد فتحت صفحات جديدة لكتابة نموذج رائع للتعايش الثقافي والإثني في هذه الأرض، ورميت تلك الأوراق في مدفأة العمة “جول” ربما لن تعلم أنني كسرت قانونها، وأنا أرمي النفاية في المدفأة ولكنها حتما ستشكرني لو علمت بفحواها المقيتة.

زر الذهاب إلى الأعلى