قراءة في أطروحة دكتوراه دولة “النثر الموريتاني نشأته وتطوره”

كتب الباحث المغربي الدكتور محمد الداهي تعليقا وتقديما لأطروحة دكتوراه دولة حول الأدب الموريتاني للباحث أحمد حبيب الله وموضوعها النثر الموريتاني نشأته وتطوره:

أنوه بالجهد المبذول في هذه الأطروحة التي تتوافر فيها جملة من المزايا والخصائص التي اعتدنا معاينتها في هذه الكلية العامرة والعريقة منذ عقود خلت قبل أن يتراجع الأداء العلمي بالتدريج لبواعث كثيرة باستثناء غيث نادر في عز الصيف. فضلا عن تمكن الباحث من سلاسة اللغة العربية وتحكمه في رقابها، كرس وقتا ثمينا من عمره لإنضاجها على نار هادئة، وإخراجها في حلة قشيبة بترو وإمعان، وإفراغها في سبيكة متراصة من خمسة أجزاء يصل عدد صفحاتها إلى 4192. ولذلك يجدر بنا أن نذكرها في موسوعة غنيس للأرقام القياسية.


تبين لي من خلال قراءة الأطروحة مدى صبر الباحث في تحري جزئيات الأدب الموريتاني، واستقصاء جوانبه الداجية متتبعا تطوره عبر فترة زمنية طويلة ما يناهز عشرة قرون.
لقد استأثر الشعر باهتمام أهل موريتان إلى أن أضحت عبارة ” بلاد المليون شاعر” أمارة تدل عليهم و تميزهم عن غيرهم لأنهم – وفق تصوير العلامة الدكتور عباس الجراري- يقولون الشعر كما يتنفسون الهواء. وهذا ما أثر سلبا عن نثرهم الذي لم يهتمَّ ويُعرفْ به إلا في مراجع قليلة. وتأتي أطروحة الباحث أحمد ولد حبيب الله لملء هذه الثغرة بالتوسع في النثر الموريتاني منذ نشأته إلى الآن، وإنجاز عمل موسوعي باذخ وشامخ في عداد المصادر العربية التي لا غنى عنها.
وأنا أقرأ هذه الأطروحة استحضرت مؤلف عبد الله كنون “النبوغ المغربي” الذي رد فيه الاعتبار إلى الكتاب المغاربة مبينا أنهم لا يقلون نبوغا وإبداعا عن أندادهم المشارقة، وأماط اللثام عن النسيان أو التناسي الذي طال الأدب المغربي وحرمه من شغل مكانته المستحقة في حضن الأدب العربي.

ويمكن من باب المقارنة أن أنعت هذه الأطروحة بالنبوغ الموريتاني، لأنها – علاوة على كونها مصدرا قيما مستوفيا الشروط العليمة المتوخاة (المتون، كتب التراجم الجامعة، التراجم الخاصة عن المباحث المغربية، الشروح والحواشي، كتب الفقه والحديث، الصحف والمجلات)- تحتوي أيضا متنا نادرا ومتنوعا من التراجم والأنواع النثرية والأغراض الشعرية. وهو ما ييسر المادة العلمية للباحثين، ويحفزهم على استثمارها والتوسع فيها.


يصرح الباحث بالمنهج المعتمد(دراسة فنية تحليلية تاريخية). وقد ورد بصياغات متعددة باللغتين العربية(المنهج الأسلوبي ص.59/ الرصد البيببليوغرافي ص.81/ المنهج التاريخي الفني الوصفي التحليلي والنقدي ص.91) والأجنبية(Etude analytique et historique /Artistic, analytic and historical Study) ولم يعرف به وبأهدافه ورواده ومعاييره ومبادئه. لم يسبق لي حسب علمي المتواضع أن عرفت منهجا بهذه الصيغة. المتداول هو المنهج التاريخي الذي مارسه العرب بنزعة اختبارية. فلا يدرج بن سلام الجمحي شاعرا ما في طبقات الشعراء إلا في إطار بيئته وسياقه التاريخي.

ومارسه الأوروبيون (جوستاف لانصون، وهيبوليت تين) بنزعة علموية لربط النص بصاحبه، وبحياته الذهنية والاجتماعية والأخلاقية(التاريخ الأدبي-بحسب لانصون- هو جزء من تاريخ الحضارة أو الأنشطة البشرية). أضحى المنهج مع النزعة الشعرية يقوم على تنسيق المشاريع و المصالح المشتركة، وإحلال الرؤية الشمولية محل الرؤية التجزيئية، وتعدد الأبعاد والأقطاب و التخصصات في إطار نسقي متراص.


توجد لحد الآن ثلاث صيغ لتأريخ الأدب “الشخص الموسوعي الذي يكتب عن الأدب منذ النشأة إلى يومنا؛ والمشرف على العمل الذي يعهد بفصول أو أقسام من العمل إلى مساعدين متخصصين عموما في مادة أو في موضوع من المواضيع والمدرسون الذين يشرفون على عمل ما لغايات بيداغوجية. الصيغة الأولى لم تعد تحظى بأية اهتمام من قبل الكتاب، أما الصيغة الأخيرة فتنتمي إلى الحقل المدرسي للكتب المدرسية. يبدو لي أن الصيغة الأخيرة هي الوحيدة التي لا تزال على قيد الحياة”، من كتاب كليمان موزان(Clément Moisan)، ما التاريخ الأدبي؟ ترجمه حسن الطالب ص.295.


المقصود من كلام كيلمون موازان هو أن تاريخ الأدب يستدعي أداء شموليا ومتعدد الأبعاد للإلمام بجوانبه وقضاياه، ولن يتحقق ذلك إلا بفضل عمل جماعي متعدد التخصصات ( الأدب وعلم الاجتماع والتاريخ والفلسفة والانتربولوجيا وتاريخ الفن) يستوفي الشروط الآتية:
– أصبح التاريخ الأدبي موكولا إلى باحثين متخصصين في حقبة معينة لمعاينتها ودراستها من الجوانب كلها.
– علينا أن نخرج من شرنقة التخصصات الضيقة إلى التخصص المتنامي حاليا وهو تعدد التخصصات والتدبير التشاركي أو العرضاني (Transversalité). وهو ما يقتضي الانخراط في المشاريع الجماعية البناءة.
– علينا أن ننزاح عن إيديولوجيا الأهواء والمشارب إلى إيديولوجية العمل التي تحتم تنسيق المصالح العلمية المشتركة.


اعتمد الباحث أحمد ولد حبيب الله على مؤلفات نقدية عربية تغلب عليها الصبغة الانطباعية في معالجة النص الأدبي من الزاويتين التاريخية والفنية؛ وفي مقدمتها ” تاريخ النقد عند العرب من العصر الجاهلي إلى القرن الرابع الهجري” لطه أحمد إبراهيم وأحمد الشايب. ولم أجد ضمن مرجعيات الباحث الطالب ولد حبيب الله مؤلفات تعالج تاريخ الأدب وفنيَّته وأدبيَّته من منظور ورؤية جديدين؛ وفي طليعتها مؤلفات يوري لوتمان، وجون كوهن ورومان جاكبسون وغيرهم. وفي هذا الصدد، لم يعد الناقد صرَّافا لتعيير النقود قصد تمييز جودتها من رداءتها، وصحتها من زيفها بحواسه وتجربته، بل أضحى لسانيانا واصفا(Métalinguiste) يعتمد عدة مفاهيمية ومنهجية مناسبة لإعادة إنتاج النص والمشاركة في بنائه.


أثبت الباحث جملة من العوامل التي تؤثر سلبا في أداء الناقد؛ ومن ضمنها الميول الذاتية والقبلية والجهوية والعرقية. أعتقد أن من مهمات المؤسسة الأدبية هو تكريس المعايير الأدبية والنقدية، والحفاظ على الإرثيْن المادي والرمزي، والانفتاح على المكاسب الكونية البناءة التي تغذي الآداب الوطنية والقومية، وتعزز إشعاعها في ربوع المعمورة.


عوض أن يناقش الباحث إمكانات إرساء دعامات المؤسسة الأدبية الموريتانية، خاض في مقترحات تضيق الخناق على الإبداع، وتحد من حريته.
– اقترح في الصفحة 43 من الجزء 4 إنشاء مركز وطني يعالج مجانا كل الأمراض التي تعاني منها الساحة الأدبية في موريتانيا.
– طالب في الصفحة 45 من الجزء 4 بإنشاء الشرطة الأدبية أو جهاز أمن لحماية الساحة الأدبية من الفساد والإفساد، ولمتابعة كل من يخرق القوانين المرعية في الساحة الأدبية حتى تظل نقية طاهرة، وخالية من الشوائب.
– طالب الباحث أيضا بإعطاء الأديب أو الناقد سقفا محددا من الإنتاج والنشر حرصا على الجودة والإتقان.
يصعب أن نفرض الرقابة على كل ما يُنتج الآن لتدخل وسائط كثيرة في عمليتيْ الإنتاج والتوزيع؛ ومن جملتها الوسائط الاجتماعية. فبقدر ما أسهمت دَمقْرطة الثقافة في توفير المعلومات أدت في الآن نفسه إلى استقواء نظام التفاهة(La médiocratie) والتلويث الإخباري(Infopollution) على حساب المثابرة والرصانة والابتكار. ولهذا يستحسن توسيعُ نطاق المؤسسة الأدبية حتى تبحث فعالياتُها عن حلول جديدة حرصا على استدامة الجودة، والرقي بالذوق الجماهيري، وتعزيز دور الثقافة في المشاريع التنموية الواعدة.


كما يجب على هذه المؤسسة أن تراجع معاييرها حتى لا يظل الأدب ترفا أو أبهة أو علامة على التمييز الاجتماعي، وحتى نجعل منه أداة للتثقيف والتكوين الذاتيين، ولاكتساب مهارات جديدة في تحسين نمط الحياة والعيش.


يُستحسن -في نظري- أن تُقوِّمَ المؤسسة الأدبية في موريتانيا الوضع تطلعا إلى استدامة القيم الجمالية التي تسهم في تهذيب سلوك المواطن وتحسين ذوقه، وسعيا إلى الانفتاح على الأشكال الأدبية الجديدة المُرقمنة، وإلى رقمْنة الإنتاج الثقافي المحلي حفاظا عليه من جهة، وترويجه على نطاق واسع من جهة ثانية. ولن يتحقق ذلك إلا بعودة المثقف إلى الواجهة ليملأ الفراغ الذي استغله أشباه المثقفين والجهلة لإشاعة الرداءة لتحقيق مآربهم الشخصية.
أستحضر في هذا السياق احتكام النقد فيما يخص تقييم العمل الفني إما إلى علم الجمال الهيغلي (عبودية الواقع (Esclavage de la réalité) التي تكرس الرؤية الأخلاقية والتعليمية) وإما إلى التصور الرومانسي الجديد (حرية العمل الفني(/liberté de l’œuvre ) أي توسيع هامش الحرية لخلق عوالم جديدة تخرق فيها القوانين والأعراف المعتمدة).
استعرض الباحث أحمد ولد حبيب الله آراء النقاد من الأدب الصحفي، متوقفا عند أهم القضايا التي استأثرت باهتمامهم؛ ومن جملتها الحداثة، والنهضة، والالتزام، والإيغال في الغموض والرمزية، والخصومة بين أنصار القديم ومناهضيه. أدلي في هذا الصدد بالملاحظات الآتية:
1- يستحسن علاوة على ذلك تصنيف النقد الصحفي الموريتاني بحسب توجهاته وخلفياته ومراميه.
2- لم يول الباحث اهتماما كبيرا بنقد النثر، بل استرسل في نقد الشعر الذي يشغل النصيب الأوفر في الأطروحة مزكيا واقع ارتباط الإنسان الموريتاني وجدانيا وجماليا بالشعر.
3- تطرق الباحث بإيجاز إلى المسرح والرواية والمقالة والأمثال والأدب الترسلي (البراوات) في صفحات معدودات. وأغفل أجناسا أخرى كالرحلة والقصة القصيرة وأشكال الكتابة عن الذات. في حين يستحسن أن يخصص لكل جنس من هذه الأجناس بابا أو كتابا مستقلا للتعريف به، وإبراز منزلته في الأدب الموريتاني، واستجلاء مميزاته في تساوق مع صيرورة النثر العربي وديناميته.
فيما يخص النقد الأكاديمي، كرس الباحث أيضا هيمنة نقد الشعر؛ مما أثر سلبا على منزلة النثر في الأدب الموريتاني. ولم يشر الباحث إلى الأطاريح التي أنجزت في الجامعة المغربية مثلا عن الروائيين الموريتانيين البارزين(أحمد ولد عبد القادر، وموسى ولد أبنو، واشبيه الشيخ ماء العينين، ومحمد ولد محمد سالم)، والتي وظف فيها الباحثون الموريتانيون عدة منهجية جديدة لتحليل الرواية وتأويلها. وعوض أن يناقش الباحث أحمد ولد حبيب الله خلفيات النقد الأكاديمي ومناهجه، اكتفي بتلخيص الروايات، كما عمد أيضا إلى تلخيص أنواع البراوات وهو ما أضفى التكرار والإطناب على الأطروحة.
أجمل قيمة الأطروحة فيما يلي:
أ‌- تعد الأطروحة عملا جادا للإلمام بتاريخ النثر الموريتاني وأجناسه وقضاياه. استطاع الباحث – برائق مزاجه، وفائق نباهته، وجليل جهده- أن يعيد الاعتبار إليه بعد أن ظل نسيا منسيا ومهملا طيلة قرون من الزمن، وينتقد الرأي القائل إن أرضا صحراوية نائية جدباء لا تنتج إلا الشعر. وما حصل عليه من متن نثري ثر، لا يعني الإحاطة بتاريخ غرناطة لصعوبة الرهان الذي يقتضي عملا جماعيا منظما لملء الثغرات، ومد الجسور، وتسليط مزيد من الأضواء على الفترات المظلمة.
ب‌- راهن الباحث على الأداء الموسوعي للتعريف بالنثر الموريتاني. لقد مهر وأجاد فيه متحليا بالصبر وحسن الاحتمال والحماسة ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ (البقرة، 250). استطاع الباحث بذلك أن يقدم مادة غزيرة ومفيدة للباحثين الذين يرغبون في تعرُّف أنواع النثر الموريتاني ومراحله وأغراضه. يحتاج هذا العمل الطموح قبل نشره إلى مراجعة متأنية لتصحيح الأخطاء المطبعية التي سقطت سهوا، وتخصيص لكل جنس حيزا وافيا من المعلومات والأخبار عنه، والانفتاح قدر المستطاع على المناهج الجديدة لإعادة تجنيس مكونات النثر الموريتاني برؤية جديدة.
ج- كرس الباحث حيزا كبيرا للجانب الموضوعاتي في تعقب القضايا التي استأثرت باهتمام أهل موريتانيا، ولم يلتفت إلى الجانب الفني إلا بطريقة عابرة وعامة مقتصرا على العدة البديعية(المحسنات البديعية) أو البلاغية (الصور البلاغية) أو شاعرية التأثير(Pathos) أو الذوق(السهل الممتنع).
د- ربط الباحث الأدب الموريتاني بنمط الحياة والعيش، مبينا ما يتحلى به الإنسان الموريتاني من قدرات ومؤهلات لتعزيز صوته وهويته، وصون تراثه من الضياع والاندثار، وحافزا إياه على الانفتاح على مكاسب الحضارة الجديدة، والموازنة –كما أكد الباحث أحمد ولد حبيب الله وبين “الأصالة الواعية والحداثة المحافظة”ص. 870.
ه- يحدد شكلان من الدينامية طبيعة السيرورة المنجزة ( الانفجار أو السيرورة التدريجية). قدم في هذا الصدد فيكتور ماكزيموفيتش جيرمونسكي (V .M.Jirmounski) وغريغوري ألكسندرفيتش غوكوفسكي (G.A.GouKovski) تفسيرين للانتقال من الكلاسكية إلى الرومانسية( اهتمام الشاعر بما تملية عليه طويته من مشاعر صادرة عن عمق شخصيته وأصالتها). يعتبرها الأول انتقالا تدريجيا من حالة إلى حالة معاكسة(إبداع نص فني مكتمل ورائع، وعالم مستقل له قوانينه الخاصة)، ويعدها الثاني نتاج سلسلة من الانفجارات (التغيرات أو التحولات المفاجئة) التي واكبت المراحل المتعاقبة (التتابع الزمني للمراحل التصنيفية). “من الغريب، لم يعتن كثيرا بآلية السيرورة التدريجية يبدو لي أن المشكل غائب هنا: يُكتفى بالإشارة إلى التطور البطيء أو الطابع التدريجي أو غياب الدينامية في هذه الظاهرة أو تلك، في حين أن السيرورة التدريجية تشكل مرحلة هامة في الحركة التاريخية بشكل خاص”( يوري لوتمان، الغلاف السيميائي ص. 181). تندرج الأطروحة ( وهي قيمة مضافة) في هذا المسعى لمواكبة التطور التدريجي للأدب الموريتاني بالمواءمة بين ثلاث مستويات متشابكة، وهي: التعاقب الزمني، وتصنيف الأجناس النثرية، والمقاربة التاريخية.
لا يسعني في الأخير إلا أن أنوه بهذا العمل الجاد والجدي متمنيا لصاحبه مسيرة موفقة ودوام العطاء العلمي الرصين.

زر الذهاب إلى الأعلى