اقتصاد موريتانيا .. النهوض رغم الجائحة / المختار محمد يحيى

في 30 من سبتمبر المنصرم ألقى رئيس مجموعة البنك الدولي دافيد ملاباس خطابا في العاصمة السودانية الخرطوم، أبدى فيه تفاؤلا في قدرة المجموعة الدولية لتوفير اللقاحات للدول النامية التي أنهكها الوضع الصحي جراء جائحة كوفيد، في الوقت الذي تخوف من عدم قدرة العديد من البلدان على الانتعاش الاقتصادي في ظل هذه الجائحة.

لكنه أيضا يرى أن من خلال تخفيف أعباء الديون على هذه البلدان يمكن أن تحقق ازدهارا إذا ما حصلت على تمويل البنية التحتية المرنة، وتقديم الخدمات بفاعلية للمواطنين، واغتنام الفرص الرقمية، والاستجابة لتغير المناخ.

كما أكد أن الأزمة الراهنة وغير المسبوقة عالميا أدت إلى اضطراب كبير، لكنها ستحدد أي الخيارين سينجح في السنوات القادمة بالنسبة للبلدان النامية والخياران هما:

– “ما إذا كانت البلدان النامية ستعاني من عقد ضائع”، وذلك من خلال دخول أزمة اقتصادية متواصلة.
– “أو أنها ستؤدي إلى نمو سريع وتحول اقتصادي”، وهو ما يجعلها تستغل الاستثمار في الرأس المال البشري والتحول الرقمي.

إن خطاب رئيس مجموعة البنك الدولي لم يأت من فراغ بل استنادا على دراسات هامة يقوم بها مستشاروه والمكاتب المتخصصة التابعة للمجموعة.

ولعل الخيار الثاني هو أقرب الاحتمالات التي نواجهها في منطقة غرب إفريقيا وفي موريتانيا خاصة حيث أدى نقص التموين الدولي، وتأثر حركة التجارة والتصنيع في العالم بفعل جائحة كوفيد 19 إلى نشوء ردة فعل اقتصادية، تتجلى أساسا في إعادة إحياء مصادر الإنتاج المحلية والسعي لتوفير الاكتفاء الذاتي، ومحاولة دمج الفئات الاجتماعية الهشة في الحياة النشطة، للخروج من واقع العبء إلى ميدان المساهمة في البناء والتنمية.

إن السياسات التي تقوم بها الحكومة الموريتانية تنفيذا لسياساتها المستقاة من برنامج رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني تؤتي أكلها وتسير بثقة في خلق بنية تحتية، وأساس اقتصادي للنهوض الوطني، وهو ما بدى جليا تركيزه على التصدي للتخلف والهشاشة، التي تعاني منها طبقات اجتماعية، كما أن توسيع نطاق الخدمات الصحية وتوفير التأمين الصحي لطبقة واسعة من المواطنين في مرحلة أولى يعد أحد الأدلة على ذلك التوجه الجاد.

إن خطوات هامة قطعتها موريتانيا في سبيل التغلب على العجز في الإنتاج الذي خلفته سنوات طويلة من تنامي الطلب على المنتج الأجنبي، وعدم منح الثقة في رؤوس الأموال الوطنية، وغياب إطار ضامن لكفاءة مناخ الإستثمار، وبالتالي تظهر موريتانيا الآن كقطب تنموي يهتم بالرفع من مستوى الإنتاج الزراعي وتطوير أنماطه، وصولا للاكتفاء الذاتي، وبناء سلسلة إنتاج لنجاح المهمة، كما أن الإرادة الجادة لاستغلال الثروة الحيوانية دفعت البلاد إلى إرساء سياسة خاصة للنهوض بهذا القطاع الصناعي والتنموي للدخول في الدورة الاقتصادية والمساهمة في الدخل القومي الخام، وتشجيع الاستثمارات الدولية.

ولا تعد السياسة المتخذة في سبيل مراجعة الاتفاقيات والعقود مع الشركات الدولية ومتعددة الجنسيات إلا تأكيدا على نهج التصحيح والإصلاح البنيوي لتحسين مداخيل الميزانية، لتتظافر مع جهود تلافي ضياع الجهد من خلال محاربة الفساد ودعم وحكامة العمل الإداري، وضبط نظام الصفقات، لتتمتع جميعها بشفافية تسمح بمراقبة النظام المالي وتحسين كفاءته.

إن مختلف الإجراءات التي تقوم عليها خطة العمل الحكومية متعددة الأوجه والأهداف، وذات الاستراتيجيات والبرامج قريبة الأمد (الأولويات)، والمتوسطة الأمد، وتلك الاستشرافية، كلها حظيت بدعم هام في سبيل العمل على توفير الكفاءة العمالية والرأس مال البشري، من خلال العمل على إنشاء مدرسة جمهورية لتحسين مخرجات التعليم ما قبل الجامعي لخلق أجيال مستقبلية قادرة على حمل الهم الوطني بكل ثقة واقتدار.

كذلك فإن المتابع يشهد ما قيم به من العمل على خلق فرص تكوين وتشغيل في مختلف المجالات الفنية والتقنية لتغذية القطاعات الخدمية، وتوفير فرص التكوين المهني في مجالات الهندسة والصناعة وذلك استعدادا للدور الذي ستلعبه موريتانيا قريبا كدولة مصدرة ومنتجة للطاقة، من خلال الاستثمار في استخراج الثروات الأحفورية والطبيعية، من غاز ونفط، بالإضافة إلى الكهرباء، وتصدير الهيدروجين الأخضر.

إن موقع موريتانيا المميز على ضفة المحيط الأطلسي وربطها الصلة بين عوالم الوطن العربي والصحراء وإفريقيا السمراء، وكل ما تتمتع به من استقرار سياسي، وتنوع ثقافي وسلم اجتماعي تشكل موريتانيا وجهة الاستثمارات الكبيرة والضخمة، باعتبارها قطبا اقتصاديا هاما نتيجة توفرها على مختلف الظروف الملائمة لنجاح المشاريع الكبرى، وتمتعها بثروات طبيعية متنوعة وهو ما ينبؤ بغد أفضل تلعبه موريتانيا في خارطة الاقتصاد الإقليمي والدولي.

زر الذهاب إلى الأعلى